الذهبي

765

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

رَأَيْته مرّات وكان ضخمًا ، سمينًا ، كبير الوجه ، بديع الجمال ، مستدير اللّحية ، على صورته رَوْنق الحُسْن وهيبة السَّلْطَنَة ، وكان إلى جُوده وبذله للأموال فِي أغراضه المنتهى ، وكان مخوف السَّطْوة ، شديد الوطْأة ، قويّ البطْش ، تخافه الملوك فِي أمصارها والوحوش العادية فِي آجامها ، أباد جماعة من كبار الدّولة ، وكان منهمكًا على الّلذات لا يعبأ بالتّحرّز على نفسه لفرط شجاعته وما أحسبه بلغ ثلاثين سنة ، ولعلّ اللَّه عزّ وجلّ قد عفا عَنْهُ وأوجب له الجنّة على كثرة ما فرّط فِي جنْب اللَّه ، نسأل اللَّه العفو والعافية . ولمّا كان فِي ثالث المُحَرَّم توجّه من القاهرة هُوَ ووزيره الصّاحب الكبير شمس الدِّين وأمراء دولته ، فَلَمّا وصل إلى الطَّرّانة فارقه الوزير إلى الإسكندريّة فقدِمها وعسف وصادر ، ونزل السّلطان بأرض الحمّامات للصيد وأقام إلى يوم السبت ثاني عَشْر المُحَرَّم ، فَلَمّا كان وقت العصر وهو بترُّوجة حضر نائب السَّلْطَنَة بَيْدَرا وجماعة أمراء ، وقد كان السّلطان أمره بُكْرةً أنّ يمضي بالدهليز ويتقدم وبقي هو يتصيد وليعود إلى الدّهليز عشيّة ، فأحاطوا به وليس معه إلا شهاب الدِّين ابن الأشلّ أمير شكار ، فابتدره بَيْدَرا فضربه بالسيّف قطع يده وضربه حسام الدِّين لاجين على كتفه حلّها وصاح : " من يُريد المُلْك هذه تكون ضربتُه " ، يشير إلى بَيْدَرا ، فسقط السّلطان ولم يكن معه سيفٌ فيما قيل ، بل كان فِي وسطه بند مشدود ، ثُمَّ جاء سيف الدِّين بهادُر رأس النَّوبة فأدخل السّيف من أسفله فشقّه إلى حلقه ، وتركوه طريحًا فِي البريّة والتفوا على بيدرا وحلفوا له ، وساق تحت العصائب يطلب القاهرة وتسمّى فيما قيل بالملك الأوحد ، وبات تلك الليلة وأصبح يسير ، فَلَمّا ارتفع النّهار إذا بطُلْبٍ كبير قد أقبل ، يقدمه الأميران : زين الدين كتبغا وحسام الدين أستاذ دار يطلبون بَيْدَرا بدم أستاذهم وذلك بالطّرانّة ، فحملوا عليه ، فتفرّق عَنْهُ أكثر من معه ، فقُتِل في الحال وحمل رأسه على رمح وجاؤوا إلى القاهرة فلم يمكنّهم الشُّجاعيّ من التّعديّة وكان نائبًا للسلطان فِي تلك السَّفرة ، فأمر بالشواني والمراكب كلها ، فرُبطت إلى الجانب الآخر ، ونزل الجيش على الجانب الغربيّ ، ثُمَّ مشت بينهم الرسُل على أنّ يقيموا فِي السَّلْطَنَة أخا السّلطان وهو المولى السّلطان الملك النّاصر ، أيّده اللَّه ، فتقرّر ذَلِكَ ، وأجلسوه على التّخت السّلطانيّ فِي يوم الاثنين رابع عَشْر المُحَرَّم بأنْ يكون أتابكه كَتْبُغا ووزيره الشُّجاعيّ ، واختفى حسام